فصل: تفسير الآية رقم (31)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع‏}‏ مسرعين إليه قال أبو عبيدة‏:‏ وزاد بعضهم مادّي أعناقهم، وآخر مع هز ورهق ومدّ بصر‏.‏

وقال عكرمة‏:‏ فاتحين آذانهم إلى الصوت، وعن ابن عباس ناظرين إليه لا تقلع أبصارهم عنه وأنشد قول تبع‏:‏ تعبدني نمر بن سعد وقد أرى *** ونمر بن سعد لي «مطيع ومهطع»

وفي رواية أنه فسره بخاضعين وأنشد البيت، وقيل‏:‏ خافضين ما بين أعينهم، وقال سفيان‏:‏ شاخصة أبصارهم إلى السماء، وقيل‏:‏ أصل الهطع مد العنق، أو مد البصر، ثم يكنى به عن الإسراع، أو عن النظر والتأمل فلا تغفل، ‏{‏يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ‏}‏ صعب شديد لما يشاهدون من مخايل هو له وما يرتقبون من سوء منقلبهم فيه، وفي إسناد القول المذكور إلى الكفار تلويح بأنه على المؤمنين ليس كذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ‏}‏ شروع في تعداد بعض ما ذكر من الأنباء الموجبة للازدجار؛ ونوع تفصيل لها وبيان لعدم تأثرهم بها تقريراً لفحوى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَا تُغْنِى النذر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 5‏]‏ والفعل منزل منزلة اللازم أي فعلت التكذيب قبل تكذيب قومك قوم نوح، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا‏}‏ تفسير لذلك التكذيب المبهم كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 45‏]‏ الخ، وفيه مزيد تحقيق وتقرير للتكذيب، وجوز أن يكون المعنى كذبوا تكذيباً إثر تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب جاء عقيبه قرن آخر مكذب مثله، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين للرسل جاحدين للنبوة رأساً كذبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل، والفاء عليه سببية، وقيل‏:‏ معنى كذبت قصدت التكذيب وابتدأته، ومعنى فكذبوا وبلغوا نهايته كما قيل في قوله‏:‏

قد جبر الدين الأله فجبر *** وفي ذكره عليه السلام بعنوان العبودية مع الإضافة إلى نون العظمة تفخيم له عليه السلام ورفع لمحله وتشنيع لمكذبيه‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ مَجْنُونٌ‏}‏ أي لم يقتصروا على مجرد التكذيب بل نسبوه إلى الجنون فقالوا هو مجنون ‏{‏وازدجر‏}‏ عطف على قالوا وهو إخبار منه عز وجل أي وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية والتخويف قاله ابن زيد، وقرأ ‏{‏لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط نُوحٌ لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 116‏]‏ وقال مجاهد‏:‏ هو من تمام قولهم أي هو مجنون، وقد ازدجرته الجن وذهبت بلبه وتخبطته، والأول أظهر وأبلغ، وجعل مبنياً للمفعول لغرض الفاصلة، وطهر الألسنة عن ذكرهم دلالة على أن فعلهم أسوأ من قولهم‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى‏}‏ أي بأني‏.‏

وقرأ ابن أبي اسحق‏.‏ وعيسى‏.‏ والأعمش‏.‏ وزيد بن علي ورويت عن عاصم ‏{‏إِنّى‏}‏ بكسر الهمزة على إضمار القول عند البصريين، وعلى إجراء الدعاء مجرى القول عند الكوفيين ‏{‏مَغْلُوبٌ‏}‏ من جهة قومي مالي قدرة على الانتقام منهم ‏{‏فانتصر‏}‏ فانتقم لي منهم، وقيل‏:‏ فانتصر لنفسك إذ كذبوا رسولك، وقيل‏:‏ المراد بمغلوب غلبتني نفسي حتى دعوت عليهم بالهلاك وهو خلاف الظاهر وما دعا عليه السلام عليهم إلا بعد اليأس من إيمانهم، والتأكيد لمزيد الاعتناء بأمر الترحم المقصود من الأخبار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏فَفَتَحْنَا أبواب السماء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ‏}‏ أي منصب، وقيل‏:‏ كثير قال الشاعر‏:‏ أعيناي جوداً بالدموع ‏(‏الهوامر‏)‏‏}‏ *** على خير باد من معد وحاضر

والباء للآلة مثلها في فتحت الباب بالمفتاح، وجوز أن تكون للملابسة والأول أبلغ، وفي الكلام استعارة تمثيلية بتشبيه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهاء انفتحت بها أبواب السماء وانشق أديم الخضراء‏.‏ وهو الذي ذهب إليه الجمهور، وذهب قوم إلى أنه على حقيقته وهو ظاهر كلام ابن عباس‏.‏

أخرج ابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم عنه أنه قال‏:‏ لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم فالتفى الماآن، وفي رواية لم تقلع أربعين يوما، وعن النقاش أنه أريد بالأبواب المجرة وهي شرج السماء كشرح العيبة، والمعروف من الأرصاد أن المجرة كواكب صغار متقاربة جداً، والله تعالى أعلم‏.‏

ومن العجيب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأهلكهم الله تعالى بمطلوبهم، وقرأ ابن عامر‏.‏ وأبو جعفر‏.‏ والأعرج‏.‏ ويعقوب ‏{‏فَفَتَحْنَا‏}‏ بالتشديد لكثرة الأبواب، والظاهر أن جمع القلة هنا للكثرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏وَفَجَّرْنَا الارض عُيُوناً‏}‏ وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون متفجرة وأصله فجرنا عيون الأرض فغير إلى التمييز للمبالغة بجعل الأرض كلها متفجرة مع الابهام والتفسير، فالتمييز محول عن المفعول، وجعله بعضهم محولا عن الفاعل بناءاً على أنه الأكثر، والأصل انفجرت عيون الأرض وتحويله كما يكون عن فاعل الفعل المذكور يكون عن فاعل فعل آخر يلاقيه في الاشتقاق وهذا منه وهو تكلف لا حاجة إليه، ومنع بعضهم مجيء التمييز من المفعول فأعرب ‏{‏عُيُوناً‏}‏ حالا مقدرة، وجوز عليه أن يكون مفعولاً ثانياً لفجرنا على تضمينه ما يتعدى إليه أي صيرنا بالتفجير الأرض عيوناً وكان ذلك على ما في بعض الروايات أربعين يوماً، وقرأ عبد الله‏.‏ وأصحابه‏.‏ وأبو حيوة‏.‏ والمفضل عن عاصم ‏{‏فجرنا‏}‏ بالتخفيف ‏{‏عُيُوناً فَالْتَقَى الماء‏}‏ أي ماء السماء وماء الأرض، والإفراد لتحقيق أن التفاء الماءين لم يكن بطريق المجاورة بل بطريق الاختلاط والاتحاد، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ والحسن‏.‏ ومحمد بن كعب‏.‏ والجحدري الماآن والتثنية لقصد بيان اختلاف النوعين وإلا فالماء شامل لماء السماء وماء الأرض، ونحوه قوله‏:‏ لنا ‏(‏إبلان‏)‏ فيهما ما علمتم *** فعن ‏(‏أيها‏)‏ ما شئتم فتنكبوا

وقيل‏:‏ فيها إشارة إلى أن ماء الأرض فار بقوة وارتفع حتى لاقى ماء السماء وفي ذلك مبالغة لا تفهم من الأفراد، وقرأ الحسن أيضاً ما وان بقلب الهمزة واواً كقولهم‏:‏ علبا وان كما قال الزمخشري، ولم يرد أنه نظيره بل أراد كما أن هنالك إبدالاً بعلة أنها غير أصلية لأنها زائدة للالحاق كذلك ههنا لانها مبدلة والبدل وإن كان من الهاء لكنه أجريت مجرى البدل عن الواو فقيل في النسبة فيه‏:‏ ماوى، وجاء في جمعه أمواء كما جاء أمواه، ولا يبعد أن يكون من ثناه بالواو قاسه على النسبة كذا في الكشف، وعنه أيضاً المايان بقلب الهمزة ياءاً‏.‏

‏{‏على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ‏}‏ أي كائناً على حال قد قدرها الله تعالى في الازل من غير تفاوت أو على حال قدرت وسويت وهي أن ما نزل على قدر ما خرج‏.‏

وقيل‏:‏ إن ماء الأرض علا سبعة عشر ذراعاً ونزل ماء السماء مكملاً أربعين، وقيل‏:‏ ماء الأرض كان أكثر وله مقدار معين عند الله عز وجل، أو على أمر قدره الله تعالى وكبته في اللوح المحفوظ وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، ورجحه أبو حيان بأن كل قصة ذكرت بعد ذكر الله تعالى فيها هلاك المكذبين فيكون هذا كناية عن هلاك هؤلاء، و‏{‏على‏}‏ عليه للتعليل، ويحتمل تعلقها بالتقى‏.‏ وفيه ردّ على أهل الأحكام النجومية حيث زعموا أن الطوفان لاجتماع الكواكب السبعة ما عدا الزهرة في برج مائي، وقرأ أبو حيوة‏.‏ وابن مقسم ‏{‏قُدِرَ‏}‏ بتشديد الدال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏وَحَمَلْنَاهُ‏}‏ أي نوحاً عليه السلام ‏{‏على ذَاتِ ألواح‏}‏ أخشاب عريضة ‏{‏وَدُسُرٍ‏}‏ أي مسامير كما قاله الجمهور‏.‏ وابن عباس في رواية ابن جرير، وابن المنذر جمع دسار ككتاب وكتب، وقيل‏:‏ ‏(‏دسر‏)‏ كسقف وسقف‏.‏ وأصل الدسر الدفع الشديد بقهر فسمى به المسمار لأنه يدق فيدفع بشدة‏.‏ وقيل‏:‏ حبال من ليف تشد بها السفن‏.‏ وقال الليث‏:‏ خيوط تشد بها ألواحها، وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة‏.‏ والحسن أنها مقاديم السفينة وصدرها الذي تضرب به الموج وتدفعه‏.‏ وروي عن ابن عباس نحوه‏.‏ وأخرج عن مجاهد أنها عوارض السفينة أي الخشبات التي تعرض في وسطها‏.‏ وفي رواية عنه هي أضلاع السفينة‏.‏ وأياً مّا كان فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذَاتِ ألواح وَدُسُرٍ‏}‏ من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات على سبيل الكناية كقولهم‏:‏ حي مستوى القامة عريض الأظفار في الكناية عن الإنسان وهو من فصيح الكلام وبديعه‏.‏ ونظير الآية قول الشاعر‏:‏ مفرشي صهوة الحصان ولكن *** ‏(‏قميصي‏)‏ مسرودة من حديد

فإنه أراد قميصي درع‏.‏ وقوله يصف هزال الإبل‏:‏ تراءى الهافي كل عين مقابل *** ولو في ‏(‏عيون النازيات بأكرع‏)‏‏}‏

فإنه أراد في عيون الجراد لأن النزو بالأكرع يختص بها‏.‏ وأما كونه على حذف الموصوف لدلالة الصفة عليه على ما في المفصل وغيره فكلام نحوى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا‏}‏ بمرأى منا‏.‏ وكني به عن الحفظ أي تجري في ذلك الماء بحفظنا وكلاءتنا، وقيل‏:‏ بأوليائنا يعني نوحاً عليه السلام ومن آمن معه يقال‏:‏ مات عين من عيون الله تعالى أي ولي من أوليائه سبحانه، وقيل‏:‏ بأعين الماء التي فجرناها، وقيل‏:‏ بالحفظة من الملائكة عليهم السلام سماهم أعيناً وأضافهم إليه جل شأنه والأول أظهر، وقرأ زيد بن علي‏.‏ وأبو السمال بأعينا بالادغام‏.‏

‏{‏جَزَاء لّمَن كَانَ كُفِرَ‏}‏ أي فعلنا ذلك جزاءاً لنوح عليه السلام فإنه كان نعمة أنعمها الله تعالى على قومه فكفروها وكذا كل نبي نعمة من الله تعالى على أمته، وجوز أن يكون على حذف الجاء وإيصال الفعل إلى الضمير واستتاره في الفعل بعد انقلابه مرفوعاً أي لمن كفر به وهو نوح عليه السلام أيضاً أي جحدت نبوته، فالكفر عليه ضد الإيمان، وعلى الأول كفران النعمة، وعن ابن عباس‏.‏ ومجاهد من يراد به الله تعالى كأنه قيل‏:‏ غضباً وانتصاراً لله عز وجل وهو كما ترى، وقرأ مسلمة بن محارب كفر بإسكان الفاء خفف فعل كما في قوله‏:‏ لو عصر منه البان والمسك ‏(‏انعصر‏)‏ *** وقرأ يزيد بن رومان‏.‏ وقتادة‏.‏ وعيسى ‏{‏كُفِرَ‏}‏ مبنياً للفاعل فمن يراد بها قوم نوح عليه السلام لا غير، وفي هذه القراءة دليل على وقوع الماضي بغير قد خبراً لكان وهو مذهب البصريين وغيرهم يقول لا بد من وقوع قد ظاهرة أو مقدرة، وجوز أن تكون ‏{‏كَانَ‏}‏ زائدة كأنه قيل‏:‏ جزءاً لمن ‏{‏كُفِرَ‏}‏ ولم يؤمن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ تركناها‏}‏ أي أبقينا السفينة ‏{‏ءايَةً‏}‏ بناءاً على ما روي عن قتادة‏.‏ والنقاش أنه بقي خشبها على الجودي حتى رآه بعض أوائل هذه الأمة، أو أبقينا خبرها، أو أبقينا جنسها وذلك بإبقاء السفن، أو تركنا بمعنى جعلنا، وجوز كون الضمير للفعلة وهي إنجاء نوح عليه السلام ومن معه وإغراق الكافرين ‏{‏فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏ أي معتبر بتلك الآية الحرّية بالاعتبار، وقرأ قتادة على ما نقل ابن عطية مذكر بالذال المعجمة على قلب تار الافتعال ذالا وإدغام الذال في الذال، وقال صاحب اللوامح‏:‏ قرأ قتادة فهل من مذكر بتشديد الكاف من التذكير أي من يذكر نفسه أو غيره بها، وقرىء مذتكر بذال معجمة بعدها تاء الافتعال كما هو الأصل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ‏}‏ استفهام تعظيم وتعجيب أي كانا على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف، والنذر مصدر كالإنذار، وقيل‏:‏ جمع نذير بمعنى الإنذار، وجعله بعضهم بمعنى المنذر منه، وليس بشيء، وكذا جعله بمعنى المنذر، وكان يحتمل أن تكون ناقصة فكيف في موضع الخبر‏؟‏ وتامة فكيف في موضع الحال‏؟‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان‏}‏ الخ جملة قسمية وردت في آخر القصص الأربع تقريراً لمضمون ما سبقَ من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جَاءهُمْ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 4‏]‏ الخ وتنبيهاً على أن كل قصة منها مستقلة بإيجاب الادكار كافية في الازدجار، ومع ذلك لم يحصل فيها اعتبار، أي وبالله لقد سهلنا القرآن لقومك بأن أنزلناه على لغتهم وشحناه بأنواع المواعظ والعبر وصرفنا فيه من الوعيد والوعد ‏{‏لِلذّكْرِ‏}‏ أي للتذكر والاتعاظ ‏{‏فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه وأكده يدل على أنه لا يقدر أحد أن يجيب المستفهم بنعم، وقيل‏:‏ المعنى سهلنا القرآن للحفظ لما اشتمل عليه من حسن النظم وسلاسة اللفظ وشرف المعاني وصحتها وعروّه عن الوحشى ونحوه فله بالقلوب وحلاوة في السمع فهل من طالب لحفظه ليعان عليه‏؟‏ ومن هنا قال ابن جبير‏:‏ لم يستظهر شيء من الكتب الإلهية غير القرآن، وأخرج ابن المنذر‏.‏ وجماعة عن مجاهد أنه قال‏:‏ يسرنا القرآن هونا قراءته‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس لولا أن الله تعالى يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله تعالى‏.‏

وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً مثله‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين أنه مرّ برجل يقول سورة خفيفة فقال‏:‏ لا تقل ذلك ولكن قل سورة يسيرة لأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ‏}‏ والمعنى الذي ذكر أولاً أنسب بالمقام، ولعل خبر أنس إن صح ليس تفسيراً للآية، وجوز تفسير ‏{‏يَسَّرْنَا‏}‏ بهيأنا من قولهم‏:‏ يسر ناقته للسفر إذا رحلها، ويسر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه قال الشاعر‏:‏ وقمت إليه باللجام ‏(‏ميسراً‏)‏ *** هنالك يجزيني الذي كنت أصنع

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏كَذَّبَتْ عَادٌ‏}‏ شروع في قصة أخرى ولم تعطف وكذا ما بعدها من القصص إشارة إلى أن كل قصة مستقلة في القصد والاتعاظ ولما لم يكن لقوم نوح اسم علم ذكروا بعنوان الإضافة ولما كان لقوم هود علم وهو ‏(‏عاد‏)‏‏}‏ ذكروا به لأنه أبلغ في التعريف، والمراد كذبت عاد هوداً عليه السلام ولم يتعرض لكيفية تكذيبهم له عليه السلام روما للاختصار ومسارعة إلى بيان ما فيه الازدجار من العذاب، وقوله‏:‏

‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ‏}‏ لتوجيه قلوب السامعين نحو الإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره لا لتهويله وتعظيمه وتعجيبهم من حاله بعد بيانه كما قبله وما بعده كأنه قيل‏:‏ ‏{‏كَذَّبَتْ عَادٌ‏}‏ فهل سمعتم، أو فاسمعوا كيف عذابي وإنذاري لهم، وقيل‏:‏ هو للتهويل أيضاً لغرابة ما عذبوا به من الريح وانفراده بهذا النوع من العذاب، وفيه بحث

‏[‏بم وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً‏}‏ استئناف لبيان ما أجمل أولا، والصرصر الباردة على ما روي عن ابن عباس‏.‏ وقتادة‏.‏ والضحاك، وقيل‏:‏ شديدة الصوت وتمام الكلام قد مر في ‏{‏فُصّلَتْ‏}‏‏.‏

‏{‏فِى يَوْمِ نَحْسٍ‏}‏ شؤم عليهم ‏{‏مُّسْتَمِرٌّ‏}‏ ذلك الشؤم لأنهم بعد أن أهلكوا لم يزالوا معذبين في البرزخ حتى يدخلوا جهنم يوم القيامة، والمراد باليوم مطلق الزمان لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ رِيحاً صَرْصَراً فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 16‏]‏، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ لَيَالٍ وثمانية أَيَّامٍ حُسُوماً‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 7‏]‏ والمشهور أنه يوم الأربعاء وكان آخر شوّال على معنى أن ابتداء إرسال الريح كان فيه فلا ينافي آيتي ‏{‏فُصّلَتْ‏}‏‏.‏

وجوز كون ‏{‏سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ‏}‏ صفة يوم أي في يوم استمر عليهم حتى أهلكهم، أو شمل كبيرهم وصغيرهم حتى لم تبق منهم نسمة على أن أن الاستمرار بحسب الزمان أو بحسب الأشخاص والأفراد لكن على الأول لا بد من تجوز بإرادة استمرار نحسه، أو بجعل اليوم بمعنى مطلق الزمان لأن اليوم الواحد لم يستمر فتدبر، وجوز كون ‏{‏مُّسْتَمِرٌّ‏}‏ بمعنى محكم وكونه بمعنى شديد المرارة وهو مجاز عن بشاعته وشدة هو له إذ لا طعم له، وجوز كونه بدلاً، أو عطف بيان وهو كما ترى، وقرأ الحسن ‏{‏يَوْمِ نَحْسٍ‏}‏ بتنوين يوم وكسر حاء نحس، وجعله صفة ليوم فيتعين كون ‏{‏مُّسْتَمِرٌّ‏}‏ صفة ثانية له، وأيد بعضهم بالآية ما أخرجه وكيع في الغرر‏.‏ وابن مردويه‏.‏ والخطيب البغدادي عن ابن عباس مرفوعاً آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر وأخذ بذلك كثير من الناس فتطيروا منه وتركوا السعي لمصالحهم فيه ويقولون له‏:‏ أربعاء لا تدور، وعليه قوله‏:‏

لقاؤك للمبكر فأل سوء *** ووجهك أربعاء لا تدور

وذلك مما لا ينبغي، والحديث المذكور في سنده مسلمة بن الصلت قال أبو حاتم‏:‏ متروك، وجزم ابن الجوزي بوضعه؛ وقال ابن رجب‏:‏ حديث لا يصح ورفعه غير متفق عليه فقد رواه الطيوري من طريق آخر موقوفاً على ابن عباس، وقال السخاوي‏:‏ طرقه كلها واهية، وضعفوا أيضاً خبر الطبراني يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، والآية قد علمت معناها، وجاء في الأخبار والآثار ما يشعر بمدحه ففي منهاج الحليمي، وشعب البيهقي أن الدعاء يستجاب يوم الأربعاء بعيد الزوال، وذكر برهان الإسلام في تعليم المتعلم عن صاحب الهداية أنه ما بدىء شيء يوم الأربعاء إلا وتم وهو يوم خلق الله تعالى فيه النور فلذلك كان جمع من المشايخ يتحرون ابتداء الجلوس للتدريس فيه، واستحب بعضهم غرس الأشجار فيه لخبر ابن حبان‏.‏ والديلمي عن جابر مرفوعاً «من غرس الأشجار يوم الأربعاء وقال‏:‏ سبحان الباعث الوارث أتته أكلها»

نعم جاءت أخبار وآثار تشعر بخلاف ذلك، ففي الفردوس عن عائشة مرفوعاً «لولا أن تكره أمتي لأمرتها أن لا يسافروا يوم الأربعاء، وأحب الأيام إلى الشخوص فيها يوم الخميس» وهو غير معلوم الصحة عندي‏.‏

وأخرج أبو يعلى عن ابن عباس‏.‏ وابن عدى‏.‏ وتمام في فوائده عن أبي سعيد مرفوعاً «يوم السبت يوم مكر وخديعة‏.‏ ويوم الأحد يوم غرس وبناء‏.‏ ويوم الاثنين يوم سفر وطلب رزق‏.‏ ويوم الثلاثاء يوم حديد وبأس‏.‏ ويوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء‏.‏ ويوم الخميس يوم طلب الحوائج والدخول على السلطان‏.‏ والجمعة يوم خطبة ونكاح» وتعقبه السخاوي بأن سنده ضعيف، وروي ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعاً، وخرجه الحاكم من طريقين آخرين «لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء» وفي بعض الآثار النهي عن قص الأظفار ويوم الأربعاء وأنه يورث البرص، وكره بعضهم عيادة المرضى فيه، وعليه قيل‏:‏

لم يؤت في الأربعاء مريض *** إلا دفناه في الخميس

وحكى عن بعضهم أنه قال لأخيه‏:‏ أخرج معي في حاجة فقال‏:‏ هو الأربعاء قال‏:‏ فيه ولد يونس قال‏:‏ لا جرم قد بانت له بركته في اتساع موضعه وحسن كسوته حتى خلصه الله تعالى قال‏:‏ وفيه ولد يوسف عليه السلام قال‏:‏ فما أحسن ما فعل أخوته حتى طال حبسه وغربته قال‏:‏ وفيه نصر المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال‏:‏ أجل لكن بعد أن زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر ونقل المناوي عن البحر أن أخباره عليه الصلاة والسلام عن نحوسة آخر أربعاء في الشهر من باب التطير ضرورة أنه ليس من الدين بل فعل الجاهلية ولا مبني على قول المنجمين أنه يوم عطارد وهو نحس مع النحوس سعد مع السعود فإنه قول باطل، ويجوز أن يكون من باب التخويف والتحذير أي احذروا ذلك اليوم لما نزل فيه من العذاب وكان فيه من الهلاك وجددوا فيه لله تعالى توبة خوفاً أن يلحقكم فيه بؤس كما وقع لمن قبلهم، وهذا كما قال حين أتى الحجر‏:‏ لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين إلي غير ذلك، وحكى أيضاً عن بعضهم أنه قال‏:‏ التطير مكروه كراهية شرعية إلا أن الشرع أباح لمن أصابه في آخر أربعاء شيء في مصالحه أن يدع التصرف فيه لا على جهة التطير واعتقاد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى بل على جهة اعتقاد إباحة الإمساك فيه لما كرهته النفس لا افتقاءاً للتطير ولكن إثباتاً للرخصة في التوقي فيه لمن يشاء مع وجوب اعتقاد أن شيئاً لا يضر شيئاً؛ ونقل عن الحليمي أنه قال‏:‏ علمنا ببيان الشريعة أن من الأيام نحساً، ويقابل النحس السعد وإذا ثبت الأول ثبت الثاني أيضاً، فالأيام منها نحس ومنها سعد كالأشخاص منهم شقي ومنهم سعيد، لكن زعم أن الأيام والكواكب تنحس أو تسعد باختيارها أوقاتاً وأشخاصاً باطل، والقول إن الكواكب قد تكون أسباباً للحسن والقبيح والخير والشر والكل فعل الله تعالى وحده مما لا بأس به، ثم قال المناوي‏:‏ والحاصل أن توقي الأربعاء على جهة الطيرة وظن اعتقاد المنجمين حرام شديد التحريم إذ الأيام كلها لله تعالى لا تنفع ولا تضر بذاتها وبدون ذلك لا ضير ولا محذور فيه؛ ومن تطير حاقت به نحوسته، ومن أيقن بأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله عز وجل لم يؤثر فيه شيء من ذلك كما قيل‏:‏

تعلم أنه لا طير إلا *** على ‏(‏متطير‏)‏‏}‏ وهو الثبور

انتهى، وأقول كل الأيام سواء ولا اختصاص لذلك بيوم الأربعاء وما من ساعة من الساعات إلا وهي سعد على شخص نحس على آخر باعتبار ما يحدث الله تعالى فيها من الملائم والمنافر والخير والشر، فكل يوم من الأيام يتصف بالأمرين لاختلاف الاعتبار وإن استنحس يوم الأربعاء لوقوع حادث فيه فليستنحس كل يوم فما أولج الليل في النهار في الليل إلا لايلاد الحوادث، وقد قيل‏:‏

ألا إنما الأيام أبناء واحد *** وهذي الليالي كلها أخوات

وقد حكى أنه صبح ثمود العذاب يوم الأحد، وورد في الأثر ولا أظنه يصح «نعوذ بالله تعالى من يوم الأحد فإن له حداً أحد من السيف» ولو صح فلعله في أحد مخصوص علم بالوحي ما يحدث فيه، وزعم بعضهم أن من المجرب الذي لم يخط قط أنه متى كان اليوم الرابع عشر من الشهر القمري الأحد وفعل فيه شيء لم يتم غير مسلم، وورد في الفردوس من حديث ابن مسعود خلق الله تعالى الأمراض يوم الثلاثاء، وفيه أنزل إبليس إلى الأرض، وفيه خلق جهنم، وفيه سلط الله تعالى ملك الموت على أرواح بني آدم‏.‏ وفيه قتل قابيل هابيل، وفيه توفي موسى وهارون عليهم السلام، وفيه ابتلى أيوب الحديث، وهو إن صح لا يدل على نحوسته غايته أنه وقع فيه ما وقع وقد وقع فيه غير ذلك مما هو خير، ففي رواية مسلم خلق المنفق أي ما يقوم به المعاش يوم الثلاثاء وإذا تتبعت التواريخ وقفت على حوادث عظيمة في سائر الأيام، ويكفي في هذا الباب أن حادثة عاد استوعبت أيام الأسبوع فقد قال سبحانه‏:‏ ‏{‏سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وثمانية أَيَّامٍ حُسُوماً‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 7‏]‏ فإن كانت النحوسة لذلك فقل لي أي يوم من الأسبوع خلا منها‏؟‏ا ومثل أمر النحوسة فيما أرى أمر تخصيص كل يوم بعمل كما يزعمه كثير من الناس، ويذكرون في ذلك أبياتاً نسبها الحافظ الدمياطي لعليّ كرم الله تعالى وجهه وهي‏:‏

فنعم اليوم ‏(‏يوم السبت‏)‏‏}‏ حقا *** لصيد إن أردت بلا امتراء

وفي ‏(‏الأحد‏)‏‏}‏ البناء لأن فيه *** تبدى الله في خلق السماء

وفي ‏(‏الاثنين‏)‏‏}‏ إن سافرت فيه *** سترجع بالنجاح وبالثراء

ومن يرد الحجامة ‏(‏فالثلاثا‏)‏‏}‏ *** ففي ساعاته هرق الدماء

وإن شرب امرأ يوماً دواءا *** فنعم اليوم يوم ‏(‏الأربعاء‏)‏‏}‏

وفي ‏(‏يوم الخميس‏)‏‏}‏ قضاء حاج *** فإن الله يأذن بالقضاء

وفي ‏(‏الجمعات‏)‏‏}‏ تزويج وعرس *** ولذات الرجال مع النساء

وهذا العلم لا يدريه إلا *** نبي أو وصى الأنبياء

ولا أظنها تصح، وقصارى ما أقول‏:‏ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا دخل في ذلك لوقت ولا لغيره، نعم لبعض الأوقات شرف لا ينكر كيوم الجمعة وشهر رمضان وغير ذلك، ولبعضها عكس ذلك كالأوقات التي تكره فيها الصلاة لكن هذا أمر ومحل النزاع أمر فاحفظ ذاك، والله تعالى يتولى هداك، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏تَنزِعُ الناس‏}‏ يجوز أن يكون صفة للريح وأن يكون حالا منها لأنها وصفت فقربت من المعرفة، وجوز أن يكون مستأنفاً، وجيء بالناس دون ضمير عادقيل‏:‏ ليشمل ذكورهم وإناثهم والنزع القلع، روي أنهم دخلوا الشعاب والحفر وتمسك بعضهم ببعض فقلعتهم الريح وصرعتهم موتى‏.‏

‏{‏كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ‏}‏ أي منقلع عن مغارسه ساقط على الأرض، وقيل‏:‏ شبهوا بأعجاز النخل وهي أصولها بلا فروع لأن الريح كانت تقلع رؤوسهم فتبقى أجساداً وجثثاً بلا رؤوس، ويزيد هذا التشبيه حسناً أنهم كانوا ذوي جثث عظام طوال، والنخل اسم جنس يذكر نظراً للفظ كما هنا ويؤنث نظراً للمعنى كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 2‏]‏ واعتبار كل في كل من الموضعين للفاصلة، والجملة التشبيهية حال من الناس وهي حال مقدرة، وقال الطبري‏:‏ في الكلام حذف والتقدير فتركتهم كأنهم الخ، فالكاف على ما في البحر في موضع نصب بالمحذوف وليس بذاك وقرأ أبو نهيك أعجز على وزن أفعل نحو ضبع وأضبع، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ‏}‏ تهويل لهما وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما فليس فيه شائبة تكرار مع ما تقدم، وقيل‏:‏ إن الأول لما حاق بهم في الدنيا والثاني لما يحيق بهم في الآخرة، و‏{‏كَانَ‏}‏ للمشاكلة، أو للدلالة على تحققه على عادته سبحانه في إخباره، وتعقب بأنه يأباه ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏ الكلام فيه كالذي مرّ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر‏}‏ بالرسل عليهم الصلاة والسلام فإن تكذيب أحدهم وهو صالح عليه السلام هنا تكذيب للكل لاتفاقهم على أصول الشرائع، وجوز أن يكون مصدراً، أو جمعاً له وأن يكون جمع نذير بمعنى المنذر منه فلا تغفل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏فَقَالُواْ أَبَشَراً مّنَّا‏}‏ أي كائناً من جنسنا على أن اجلار والمجرور في موضع الصفة لبشراً وانتصابه بفعل يفسره نتبع بعد أي أنتبع بشراً ‏{‏واحدا‏}‏ أي منفرداً لاتبع له، أو واحداً من آحادهم لا من أشرافهم كما يفهم من التنكير الدال على عدم التعيين وهو صفة أخرى لبشر وتأخيره مع إفراده عن الصفة الأولى مع كونها شبه الجملة للتنبيه على أن كلا من الجنسية والوحدة مما يمنع الاتباع ولو قدم عليها لفات هذا التنبيه، وقرأ أبو السمال فيما ذكر الهذلي في كتابه الكامل‏.‏ وأبو عمرو الداني أبشر منا واحد برفعهما على أن بشر مبتدأ، وما بعد صفته، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏نَّتَّبِعُهُ‏}‏ خبره‏.‏ ونقل ابن خالويه‏.‏ وصاحب اللوامح‏.‏ وابن عطية عن أبي السمال رفع بشر ونصب ‏{‏واحدا‏}‏ وخرج ذلك ابن عطية على أن رفع بشر إما على إضمار فعل مبني للمفعول والتقدير أينبأ بشر، وإما على الابتداء والخبر جملة ‏{‏نَّتَّبِعُهُ‏}‏، ونصب ‏{‏واحدا‏}‏ على الحال إما من ضمير النصب في ‏{‏نَّتَّبِعُهُ‏}‏‏.‏ وإما من الضمير المستقر في ‏{‏مِنَّا‏}‏ وخرج صاحب اللوامح نصب ‏{‏واحدا‏}‏ على هذا أيضاً، وأما رفع بشر فخرجه على الابتداء وإضمار الخبر أي أبشر منا يبعث إلينا أو يرسل أو نحوهما، وتقدم الاستفهام يرجح تقدير فعل يرفع به ‏{‏إِنَّا إِذَا‏}‏ أي إذا اتبعنا بشراً منا واحداً ‏{‏لَفِى ضلال‏}‏ عظيم عن الحق ‏{‏وَسُعُرٍ‏}‏ أي نيران جمع سعير‏.‏

وروي أن صالحاً عليه السلام كان يقول لهم‏:‏ إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وسعر فعكسوا عليه لغاية عتوّهم فقالوا‏:‏ إن اتبعناك كنا إذاً كما تقول، فالكلام من باب التعكيس والقول بالموجب، وجمع السعير باعتبار الدركات، أو للمبالغة، وروي عن ابن عباس ما يحتمل ما قلنا فإنه قال‏:‏ أي لفي بعد عن الحق وعذاب، وفي رواية أخرى عنه تفسير السعر بالجنون على أنه اسم مفرد بمعنى ذلك يقال ناقة مسعورة إذا كانت تفرط في سيرها كأنها مجنونة قال الشاعر‏:‏ كأن بها ‏(‏سعراً‏)‏ إذا العيس هزها *** ذميل وإرخاء من السير متعب

والأول أوجه وأفصح‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏أَءلْقِىَ الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا‏}‏ أي أأنزل عليه الوحي من بيننا وفينا من هو أحس منه بذلك، والتعبير بألقي دون أنزل قيل‏:‏ لأنه يتضمن العجلة في الفعل ‏{‏بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ‏}‏ أي شديد البطر وهو على ما قال الراغب‏:‏ دهش يعتري من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها ووضعها إلى غير وجهها، ويقاربه الطرب وهو خفة أكثر ما تعتري من الفرح، ومرادهم ليس الأمر كذلك بل هو كذا وكذا حمله شدّة بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعاء ذلك، وقرأ قتادة‏.‏ وأبو قلابة بل هو الكذب الأشر بلام التعريف فيهما وبفتح الشين وشدّ الراء، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما في ذلك، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الاشر‏}‏ حكاية لما قاله سبحانه وتعالى بصالح عليه السلام وعداً له ووعيداً لقومه، والسين لتقريب مضمون الجملة وتأكيده، والمراد بالغد وقت نزول العذاب الدنيوي بهم، وقيل‏:‏ يوم القيامة فهو لمطلق الزمان المستقبل وعبر به لتقريبه، وعليه قول الطرماح‏:‏

ألا عللاني قبل نوح النوائح *** وقبل اضطراب النفس بين الجوانح

وقبل ‏(‏غد‏)‏‏}‏ يا لهف نفسي على غد *** إذا راح أصحابي ولست برائح

أي ‏{‏سَيَعْلَمُونَ‏}‏ البتة عن قريب ‏{‏مَّنِ الكذاب الاشر‏}‏ الذي حمله أشره وبطره على ما حمله أصالح أم من كذبه، والمراد سيعلمون أنهم هم الكذابون الأشرون لكن أورد ذلك مورد الإبهام إيماءاً إلى أنه مما لا يكاد يخفي، ونحوه قول الشاعر‏:‏

فلئن لقيتك خاليين لتعلمن *** ‏(‏أيى وأيك‏)‏‏}‏ فارس الأحزاب

وقرأ ابن عامر‏.‏ وحمزة‏.‏ وطلحة‏.‏ وابن وثاب‏.‏ والأعمش ستعلمون بتاء الخطاب على حكاية ما قال لهم صالح مجيباً لهم، وفي «الكشاف» أو هو كلام على سبيل الالتفات، قال «صاحب الكشف»‏:‏ أي هو كلام الله تعالى لقوم ثمود على سيل الالتفات إليهم إما في خطابه تعالى لرسولنا صلى الله عليه وسلم وهو نظير ما حكاه سبحانه عن شعيب ‏{‏فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياقوم قَوْمٌ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 79‏]‏ بعد ما استؤصلوا هلاكاً وهو من بليغ الكلام فيه دلالة على أنهم أحقاء بهذا الوعيد وكأنهم حضور في المجلس حول إليهم الوجه لينعى عليهم جناياتهم‏.‏ وإما في خطابه عز وجل لصالح عليه السلام والمنزل حكاية ذلك الكلام المشتمل على الالتفات‏.‏ وعلى التقديرين لا إشكال فيه كما توهم‏.‏ ولفظ الزمخشري على الأول أدل وهو أبلغ انتهى، ومن التفت إلى ما قاله الجمهور في الالتفات لا أظنه تسكن نفسه بماذكر فتأمل، وقرأ مجاهد فيما ذكره «صاحب اللوامح»‏.‏ وأبو قيس الأودي ‏{‏الاشر‏}‏ بثلاث ضمات وتخفيف الراء‏.‏ ويقال‏:‏ أشر وأشر كحذر وحذر فضمة الشين لغة وضم الهمزة تبع لها‏.‏

وحكى الكسائي عن مجاهد ضم الشين دون الهمزة فهو كندس‏.‏ وقرأ أبو حيوة ‏{‏الاشر‏}‏ أفعل تفضيل أي الأبلغ في الشرارة وكذا قرأ قتادة‏.‏ وأبو قلابة أيضاً وهو قليل الاستعمال وإن كان على الأصل كالأخير في قول رؤبة‏:‏

بلال خير الناس وابن الأخير *** وقال أبو حاتم‏:‏ لا تكاد العرب تتكلم بالأخير و‏{‏الاشر‏}‏ إلا في ضرورة الشعر وأنشد البيت، وقال الجوهري‏:‏ لا يقال ‏{‏الاشر‏}‏ إلا في لغة رديئة؛ وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏27‏]‏

‏{‏إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة‏}‏ الخ استئناف مسوق لبيان مبادي الموعود على ما هو الظاهر، وبه يتعين كون المراد بالغد وقت نزول العذاب الدنيوي بهم دون يوم القيامة، والإرسال حقيقة في البعث وقد جعل هنا كناية عن الإخراج، وأريد المعنى الحقيقي معه كما أومأ إليه بعض الأجلة أي إنا مخرجوا الناقة التي سألوها من الهضبة وباعثوها ‏{‏فِتْنَةً لَّهُمْ‏}‏ امتحاناً، وجوز إبقاؤها على معناها المعروف ‏{‏فارتقبهم‏}‏ فانتظرهم وتبصر ما هم فاعلون ‏{‏واصطبر‏}‏ على أذاهم ولا تعجل حتى يأتي أمر الله تعالى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏28‏]‏

‏{‏وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏وَنَبّئْهُمْ أَنَّ الماء‏}‏ وأخبرهم بأن ماء البئر التي لهم ‏{‏قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ‏}‏ مقسوم لها يوم ولهم يوم، و‏{‏بَيْنَهُمْ‏}‏ لتغلب العقلاء، وقرأ معاذ عن أبي عمرو و‏{‏قِسْمَةٌ‏}‏ بفتح القاف ‏{‏كُلُّ شِرْبٍ‏}‏ نصيب وحصة منه ‏{‏مُّحْتَضَرٌ‏}‏ يحضره صاحبه في نوبته فتحتضر الناقة نارة ويحضرونه أخرى، وقيل‏:‏ يتحول عنه غير صاحبه من حضر عن كذا تحول عنه وقيل‏:‏ يمنع عنه غير صاحبه مجاز عن الحظر بالظاء بمعنى المنع بعلاقة السببية فإنه مسبب عن حضور صاحبه في نوبته وهو كما ترى، وقيل‏:‏ يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في نوبتها، والمعنى كل شرب من الماء واللبن تحضرونه أنتم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏فَنَادَوْاْ‏}‏ أي فأرسلنا الناقة وكانوا على هذه الوتيرة من القسمة فملوا ذلك وعزموا على عقر الناقة ‏{‏فَنَادَوْاْ‏}‏ لعقرها ‏{‏صاحبهم‏}‏ وهو قدار بن سالف أحيمر ثمود وكان أجرأهم ‏{‏فتعاطى‏}‏ العقر أي فاجترأ على تعاطيه مع عظمه غير مكترث به‏.‏

‏{‏فَعَقَرَ‏}‏ فأحدث العقر بالناقة، وجوز أن يكون المراد فتعاطى الناقة فعقرها، أو فتعاطى السيف فقتلها، وعلى كل فمفعول تعاطى محذوف والتفريع لا غبار عليه، وقيل‏:‏ تعاطى منزل منزلة اللازم على أن معناه أحدث ماهية التعاطي، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَعَقَرَ‏}‏ تفسير له لا متفرع عليه ولا يخفى ركاكته، والتعاطي التناول مطلقاً على ما يفهم من كلام غير واحد، وزاد بعضهم قيد بتكلف ونسبة العقر إليهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَعَقَرُواْ الناقة‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 77‏]‏ لأنهم كانوا راضين به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ‏}‏ الكلام فيه كالذي تقدم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحدة‏}‏ هي صيحة جبريل عليه السلام صاح صباح يوم الأحد كما حكى المناوي عن الزمخشري في طرف منازلهم ‏{‏فَكَانُواْ‏}‏ أي فصاروا ‏{‏كَهَشِيمِ المحتظر‏}‏ أي كالشجر اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء‏.‏

وفي «البحر» الهشيم ما تفتت من الشجر، و‏{‏المحتظر‏}‏ الذي يعمل الحظيرة فإنه يتفتت منه حالة العمل ويتساقط أجزاء مما يعمل به، أو يكون الهشيم ما يبس من الحظيرة بطول الزمان تطؤه البهائم فيتهشم، وتعقب هذا بأن الأظهر عليه كهشيم الحظيرة، والحظيرة الزريبة التي تصنعها العرب‏.‏ وأهل البوادي للمواشي والسكنى من الأغصان والشجر المورق والقصب من الحظر وهو المنع‏.‏

وقرأ الحسن‏.‏ وأبو حيوة‏.‏ وأبو السمال‏.‏ وأبو رجاء‏.‏ وعمرو بن عبيد ‏{‏المحتظر‏}‏ بفتح الظاء على أنه اسم مكان‏.‏ والمراد به الحظيرة نفسها أو هو اسم مفعول قيل‏:‏ ويقدر له موصوف أي ‏{‏كَهَشِيمِ‏}‏ الحائط ‏{‏المحتظر‏}‏ أو لا يقدر على أن ‏{‏المحتظر‏}‏ الزريبة نفسها كما سمعت‏.‏ وجوز أن يكون مصدراً أي كهشيم الاحتظار أي ما تفتت حالة الاحتظار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏32‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏ كما مر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بالنذر‏}‏ على قياس النظير السابق

تفسير الآية رقم ‏[‏34‏]‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حاصبا‏}‏ ملكاً على ما قيل يحصبهم أي يرميهم بالحصباء والحجارة أو هم اسم للريح التي تحصب ولم يرد بها الحدوث كما فـ ناقة ضامر وهو وجه التذكير، وقال ابن عباس‏:‏ هو ما حاصبوا به من السماء من الحجارة في الريح، وعليه قول الفرزدق‏:‏ مستقبلين شمال الشام تضربنا *** ‏(‏بحاصب‏)‏‏}‏ كنديف القطن منثور

‏{‏إِلا ءالَ لُوطٍ‏}‏ خاصته المؤمنين به، وقيل‏:‏ إله ابنتاه ‏{‏نجيناهم بِسَحَرٍ‏}‏ أي في سحر وهو آخر الليل، وقيل‏:‏ السدس الأخير منه، وقال الراغب‏:‏ السحر والسحرة اختلاط ظلام آخر الليل بصفاء النهار وجعل اسماً لذلك الوقت، ويجوز كون الباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال أي ملتبسين ‏{‏بِسَحَرٍ‏}‏ داخلين فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا‏}‏ أي إنعاماً منا وهو علة لنجينا، ويجوز نصبه بفعل مقدر من لفظه، أو بنجينا لأن النتيجة إنعام فهو كقعدت جلوساً ‏{‏كذلك‏}‏ أي مثل ذلك الجزاء العجيب ‏{‏نَجْزِى مَن شَكَرَ‏}‏ نعمتنا بالايمان والطاعة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ‏}‏ لوط عليه السلام ‏{‏بَطْشَتَنَا‏}‏ أخذتنا الشديدة بالعذاب‏.‏

وجوز أن يراد بها نفس العذاب ‏{‏فَتَمَارَوْاْ‏}‏ فكذبوا ‏{‏بالنذر‏}‏ متشاكين، فالفعل مضمن معنى التكذيب ولولاه تعدى بفي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ‏}‏ صرفوه عن رأيه فيهم وطلبوا الفجور بهم وهذا من إسناد ما للبعض للجميع لرضاهم به ‏{‏فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ‏}‏ أي أزلنا أثرها وذلك بمسحها وتسويتها كسائر الوجه، وهو كما قال أبو عبيدة، وروى أن جبريل عليه السلام استأذن ربه سبحانه في عقوبتهم ليلة جاءوا وعالجوا الباب ليدخلوا عليهم فصفقهم بجناحه فتركهم عمياناً يترددون لا يهتدون إلى طريق خروجهم حتى أخرجهم لوط عليه السلام وقال ابن عباس‏.‏ والضحاك‏:‏ إنما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئاً فجعل ذلك كالطمس فعبر به عنه‏.‏

وقرأ ابن مقسم ‏{‏فَطَمَسْنَا‏}‏ بتشديد الميم للتكثير في المفعول ‏{‏فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ‏}‏ أي فقلنا لهم ذلك على ألسنة الملائكة عليهم السلام، فالقول في الحقيقة لهم وأسند إليه تعالى مجازاً لأنه سبحانه الآمر أو القائل ظاهر الحال فلا قول وإنما هو تمثيل، والمراد بالعذاب الطمس وهو من جملة ما أنذروه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً‏}‏ أول النهار وهي أخص من الصباح فليس في ذكرها بعده زيادة وكان ذلك أول شروق الشمس، وقرأ زيد بن علي ‏{‏بُكْرَةً‏}‏ غير مصروفة للعلمية والتأنيث على أن المراد بها أول نهار مخصوص‏.‏

‏{‏عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ‏}‏ يستقر بهم ويدوم حتى يسلمهم إلى النار، أو لا يدفع عنهم، أو يبلغ غايته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏

‏{‏فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ‏}‏ حكاية لما قيل لهم بعد التصحيح من جهته تعالى تشديداً للعذاب، أو هو تمثيل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ‏(‏40‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ‏}‏ تقدم ما فيه من الكلام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاء ءالَ فِرْعَوْنَ النذر‏}‏ صدرت قصتهم بالتوكيد القسمي لإبراز كمال الاعتناء بشأنها لغاية عظم ما فيها من الآيات وكثرتها وهول ما لاقوه من العذاب وقوة إيجابها للاتعاظ والاكتفاء بذكر آل فرعون للعلم بأن نفسه أولى بذلك فإنه رأس الطغيان ومدعي الألوهية، والقول‏:‏ بأنه إشارة إلى إسلامه مما لا يلتفت إليه، و‏{‏النذر‏}‏ إن كان جمع نذير بمعنى الإنذار فالأمر ظاهر وكذا إن كان مصدراً، وأما إن كان جمع نذير بمعنى المنذر فالمراد به موسى‏.‏ وهرون‏.‏ وغيرهما لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون أي وبالله تعالى لقد جاءهم المنذرون، أو الإنذارات، أو الإنذار، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏كَذَّبُواْ بئاياتنا كُلَّهَا‏}‏ استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية مجيء النذر كأنه قيل‏:‏ فماذا فعل آل فرعون حينئذ‏؟‏ فقيل‏:‏ كذبوا بجميع آياتنا وهي آيات الأنبياء كلهم عليهم السلام فإن تكذيب البعض تكذيب للكل، أو هي الآيات التسع، وجوز الواحدي أن يراد بالنذر نفس الآيات فقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بئاياتنا‏}‏ من إقامة الظاهر مقام الضمير والأصل كذبوا بها، وزعم بعض غلاة الشيعة وهم المسلمون بالكشفية في زماننا أن المراد بالآيات كلها علي كرم الله تعالى وجهه فإنه الإمام المبين المذكور في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُلَّ شىْء أحصيناه فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 12‏]‏ وأنه كرم الله تعالى وجهه ظهر مع موسى عليه السلام لفرعون وقومه فلم يؤمنوا وهذا من الهذيان بمكان نسأل الله تعالى وجهه ظهر مع موسى عليه السلام لفرعون وقومه فلم يؤمنوا وهذا من الهذيان بمكان نسأل الله تعالى العفو والعافية ‏{‏فأخذناهم‏}‏ أي آل فرعون، وزعم بعض أن ضمير ‏{‏كَذَّبُواْ‏}‏ وضمير أخذناهم عائدان على جميع من تقدم ذكره من الأمم وتم الكلام عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏النذر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 41‏]‏ وليس بشيء، والفاء للتفريع أي ‏{‏فأخذناهم‏}‏ وقهرناهم لأجل تكذيبهم‏.‏ ‏{‏أَخْذَ عِزِيزٍ‏}‏ لا يغالب ‏{‏مُّقْتَدِرٍ‏}‏‏.‏

لا يعجزه شيء، ونصب أخذ على المصدرية لا على قصد التشبيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏أكفاركم خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ‏}‏ أي الكفار المعدودين قوم نوح‏.‏ وهود‏.‏ وصالح‏.‏ ولوط‏.‏ وآل فرعون، والمراد الخيرية باعتبار الدنيا وزينتها ككثرة القوة والشدة ووفور العدد والعدة، أو باعتبار لين الشكيمة في الكفر بأن يكون الكفار المحدث عنهم بالخيرية أقل عناداً وأقرب طاعة وانقياداً، وظاهر كلام كثير أن الخطاب هنا عام للمسلمين وغيرهم حيث قالوا‏:‏ ‏{‏أكفاركم‏}‏ يا معشر العرب ‏{‏خَيْرٌ‏}‏ الخ والاستفهام إنكاري في معنى النفي فكأنه قيل‏:‏ ما كفاركم خير من أولئكم الكفار المعدودين بأن يكونوا أكثر منهم قوة وشدة وأوفر عدداً وعدة، أو بأن يكونوا ألين شكيمة في الكفر والعصيان والضلال والطغيان بل هم دونهم في القوة وما أشبهها من زينة الدنيا، أو أسوأ حالاً منهم في الكفر، وقد أصاب من هو خير ما أطاب فكيف يطمعون هم في أن لا يصيبهم نحو ذلك، وكذا قيل‏:‏ في الخطاب في قوله تعالى‏:‏

‏{‏أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى الزبر‏}‏ وجعل بتقدير أم لكفاركم وهو إضراب وانتقال إلى تنكيت آخر فكأنه قيل‏:‏ بل ألكفاركم براءة وأمن من تبعات ما يعملون من الكفر والمعاصي وغوائلها في الكتب السماوية فلذلك يصرون على ما هم عليه ولا يخافون، واختار بعضهم في هذا أنه خاص بالكفار، وقالوا في قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ‏}‏ إنه إضراب من التبكيت المذكور إلى تبكيت آخر بطريق الالتفات للإيذان بإفضاء حالهم إلى الإعراض عنهم وإسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية قبائحهم لغيرهم، أي بل أيقولون واثقين بشوكتهم نحن جماعة أمرنا مجتمع لا يرام ولا يضام، أو ‏{‏مُّنتَصِرٌ‏}‏ من الأعداء لا يغلب، أو متناصر ينصر بعضنا بعضاً‏.‏

والذي يترجح في نظر الفقير أن الخطاب في الموضعين خاص على ما يقتضيه السياق بكفار أهل مكة أو العرب وهو ظاهر في الموضع الثاني لا يحتاج إلى شيء، وأما في الموضع الأول فوجهه أن تكون الإضافة مثلها في الدراهم كلها كذا، وطور سيناء، ويوم الأحد ولم يقل أأنتم للتنصيص على كفرهم المقتضى لهلاكهم، ويجوز أن يعتبر في ‏{‏أكفاركم‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 43‏]‏ ضرب من التجريد الذي ذكروه في نحو ‏{‏لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 28‏]‏ فكأنه جرد منهم كفار وأضيفوا إليهم، وفي ذلك من المبالغة ما فيه، ويجوز أن يكون هذا وجهاً للعدول عن أأنتم، وربما يترجح به كون الخيرية المنفية باعتبار لين الشكيمة في الكفر وكأنه لما خوف سبحانه الكفار الذين كذبوا الآيات وأعرضوا عنها، وقالوا هي سحر مستمر بذكر ما حل بالأمم السالفة مما تبرق وترعد منه أسارير الوعيد قال عز وجل لهم‏:‏ لم لا تخافون أن يحل بكم مثل ما حل بهم أأنتم أقل كفراً وعناداً منهم ليكون ذلك سبباً للأمن من حلول نحو عذابهم بكم أم أعطاكم الله عز وجل براءة من عذابه أم أنتم أعز منهم منتصرون على جنود الله تعالى وعدل سبحانه عن أم أنتم جميع منتصر إلى ما في النظم الجليل للإشارة إلى أن ذلك مما لا تحقق له أصلاً إلا باللفظ ومحض الدعوى التي لا يوافق عليها فتأمل، فأسرار كلام الله تعالى لا تتناهى، ثم لا تعجل بالاعتراض على ما قلناه وإن لم يكن لنا سلف فيه حسبما تتبعنا، ثم إن ‏{‏جَمِيعٌ‏}‏ على ما أشير إليه بمعنى الجماعة التي أمرها مجتمع وليس من التأكيد في شيء بل هو خبر ‏{‏نَحْنُ‏}‏، وجوز أن يكون بمعنى مجتمع خبر مبتدأ محذوف وهو ‏{‏أَمْرُنَا‏}‏ والجملة خبر ‏{‏نَحْنُ‏}‏ وأن يكون هو الخبر والإسناد مجازي، و‏{‏مُّنتَصِرٌ‏}‏ على ما سمعت إما بمعنى ممتنع يقال‏:‏ نصره فانتصر إذا منعه فامتنع‏.‏

والمراد بالامتناع عدم المغلوبية أو هو بمعنى منتقم من الأعداء أو هو من النصر بمعنى العون؛ والافتعال بمعنى التفاعل كالاختصام والتخاصم وكان الظاهر منتصرون إلا أنه أفرد باعتبار لفظ الجميع فإنه مفرد لفظاً جمع معنى ورجح هناجانب اللفظ عكس ‏{‏بل أنتم قوم تجهلون‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 55‏]‏ لخفة الإفراد مع رعاية الفاصلة وليس في الآية رعاية جانب المعنى أولاً، ثم رعاية جانب اللفظ ثانياً على عكس المشهور، وإن كان ذلك جائزاً على الصحيح كما لا يخفى على الخبير، وقرأ أبو حيوة‏.‏ وموسى الأسواري‏.‏ وأبو البرهسم أم تقولون بتاء الخطاب، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏سَيُهْزَمُ الجمع‏}‏ رد لقولهم ذلك والسين للتأكيد أي يهزم جمعهم البتة ‏{‏وَيُوَلُّونَ الدبر‏}‏ أي الأدبار، وقد قرىء كذلك، والإفراد لإرادة الجنس الصادق على الكثير مع رعاية الفواصل ومشاكلة القرائن، أو لأنه في تأويل يولي كل واحد منهم دبره على حدّ كسانا الأمير حلة مع الرعاية المذكورة أيضاً وقد كان هذا يوم بدر وهو من دلائل النبوة لأن الآية مكية، وقد نزلت حيث لم يفرض جهاد ولا كان قتال ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه‏:‏ يوم نزلت أي جمع يهزم أي من جموع الكفار‏؟‏ ولم يتعرض لقتال أحد منهم، وقد تقدم الخبر‏.‏

ومما أشرنا إليه يعلم أن قول الطيبي في هذه الرواية نظر لأن همزة الإنكار في ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 44‏]‏ الخ دلت على أن المنهزمين من هم ناشيء عن الغفلة عن مراد عمر رضي الله تعالى عنه، وقرأ أبو حيوة‏.‏ وموسى الأسواري‏.‏ وأبو البرهسم ستهزم الجمع بفتح التاء وكسر الزاي خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونصب الجمع على المفعولية، وقرأ أبو حيوة أيضاً‏.‏ ويعقوب سنهزم بالنون مفتوحة وكسر الزاي على إسناد الفعل إلى ضمير العظمة، وعن أبي حيوة‏.‏ وابن أبي عبلة ‏{‏سَيُهْزَمُ‏}‏ الجمع بفتح الياء مبنياً للفاعل ونصب الجمع أي سيهزم الله تعالى الجمع، وقرأ أبو حيوة‏.‏ وداود بن أبي سالم عن أبي عمرو وتولون بتاء الخطاب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ‏}‏ أي ليس هذا تمام عقوبتهم بل الساعة موعد عذابهم وهذا من طلائعه ‏{‏والساعة أدهى‏}‏ أي أعظم داهية وهي الأمر المنكر الفظيع الذي لا يهتدي إلى الخلاص عنه ‏{‏وَأَمَرُّ‏}‏ وأشد مرارة في الذوق وهو استعارة لصعوبتها على النفس، وقيل‏:‏ أقوى وليس بذاك وإظهار الساعة في موضع إضمارها لتربية تهويلها‏.‏